حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

122

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [ البقرة : 255 ] والعلو والعظمة درجتان من درجات الكمال إلا أن العظمة أقوى وفوق الكل درجة الكبرياء « الكبرياء ردائي والعظمة إزاري » « 1 » ولا يخفى أن الرداء أعظم من الإزار وفوق جميع الصفات صفة الجلال وهي تقدسه في هويته المخصوصة عن مناسبة الممكنات وبه استحق الإلهية ، ولهذا قال صلى اللّه عليه وسلم : « ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام » « 2 » وفي التنزيل وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [ الرحمن : 27 ] فالمصلي يبتغي وجه اللّه ، والداخل على السلطان يجب أن يتطهر من الأدناس والأرجاس ، وأولى المراتب التطهر من دنس الذنوب تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً [ التحريم : 8 ] ثم من الدنيا حلالها وحرامها وهو الزهد ، ثم من الكونين الدنيا والآخرة وهو مقام المعرفة ، ثم من الالتفات إلى أعماله وهو مقام الإخلاص ، ثم من الالتفات إلى عدم الالتفات وهو مقام المحسنين ، ثم من الالتفات إلى كل ما سوى اللّه وهو مقام الصديقين ، ثم قم قائما فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ، [ الروم : 30 ] واستحضر في نفسك جميع أقسام العالم من الروحانيات والجسمانيات فقل « اللّه أكبر » أي من الكل كما مر ، أو من لا يراني ولا يسمع كلامي كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم « الإحسان أن نعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » « 3 » أو أكبر من أن تصل إليه عقول الخلق وأفهامهم كما قال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : التوحيد أن لا تتوهمه أو أكبر من أن يقدر الخلق على قضاء حق عبوديته فإذا قلت « اللّه أكبر » فأجل طرف عقلك في ميادين جلال اللّه وقل « سبحانك اللهم وبحمدك » ثم قل « وجهت وجهي » ثم انتقل إلى عالم الأمر والتكليف واجعل سورة الفاتحة مرآة لكي تبصر فيها عجائب الدنيا والآخرة ، وتطلع منها على أنوار أسماء اللّه الحسنى وصفاته العليا والأديان السالفة والكتب الإلهية والشرائع النبوية فتصل إلى الشريعة ومنها إلى الطريقة ومنها إلى الحقيقة وتشاهد درجات الكاملين ودركات الناقصين ، فإذا قلت « بسم اللّه الرحمن الرحيم » أبصرت به الدنيا فباسمه قامت السماوات والأرضون ، وإذا قلت « الحمد للّه رب العالمين » أبصرت به الآخرة فبالحمد قامت الآخرة وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [ يونس : 10 ] وإذا قلت « الرحمن الرحيم » أبصرت به عالم الجمال المشتمل على أصول النعم وفروع النوال ، وإذا قلت « مالك يوم الدين » أبصرت به عالم الجلال وما يحصل هناك من الأحوال والأهوال ، وإذا قلت

--> ( 1 ) رواه مسلم في كتاب البر حديث 36 . ابن ماجة في كتاب الزهد باب 16 . أبو داود في كتاب اللباس باب 25 . أحمد في مسنده ( 2 / 248 ) . ( 2 ) رواه الترمذي في كتاب الدعوات باب 91 . أحمد في مسنده ( 4 / 177 ) . ( 3 ) رواه البخاري في كتاب تفسير سورة 31 باب 2 . مسلم في كتاب الإيمان حديث 57 . الترمذي في كتاب الإيمان باب 4 . ابن ماجة في كتاب المقدمة باب 59 . أحمد في مسنده ( 1 / 27 ، 51 ) .